محمد عزة دروزة

557

التفسير الحديث

وقد تلهم هذه الآية أن التنديد السابق هو للذين يعدون بالقتال ولا يقاتلون . وهذا ما روته الروايات كسبب من أسباب النزول على ما سوف نذكره بعد هذا . تعليق على الآيات الأربع الأولى من السورة وما فيها من صور وتلقين ولقد روى المفسرون ( 1 ) روايات عديدة في سبب نزول الآيات وفي من عنته . منها أنها في المنافقين بسبب إخلافهم ما وعدوا به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من الاشتراك في القتال والتضامن مع سائر المسلمين فيه . ومنها أنها نزلت في جماعة كانوا يتبجحون بأنهم قاتلوا وجاهدوا كذبا . ومنها أنها نزلت في شخص ادعى كذبا بأنه قتل شخصا كافرا في حين أن الذي قتله شخص آخر . ومنها أنها نزلت في جماعة من المسلمين لم يشهدوا وقعة بدر فلما سمعوا ما أعدّ اللَّه لشاهديها من أجر وما كان من ثناء النبي صلى اللَّه عليه وسلم عليهم وعدوا بالقتال مثلهم حتى يحرزوا درجتهم في أول حرب ثم انهزموا في واقعة أحد . ومنها ما روي في حديث عن عبد اللَّه بن سلام الصحابي بطرق عديدة مع اختلاف في الصيغة . وقد جاء في بعض هذه الصيغ التي أخرجها ابن أبي حاتم أن عبد اللَّه بن سلام قال : « إن أناسا من أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قالوا لو أرسلنا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم نسأله عن أحبّ الأعمال إلى اللَّه عزّ وجلّ فلم يذهب إليه أحد منا وهبنا أن نسأله عن ذلك فدعا رسول اللَّه أولئك النفر رجلا رجلا حتى جمعهم ونزلت فيهم سورة الصف فقرأها علينا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كلَّها ( 2 ) . وهناك رواية عن مقاتل أوردها ابن كثير جاء فيها » قال المؤمنون لو نعلم

--> ( 1 ) انظر الطبري والبغوي والطبرسي والخازن وابن كثير . ( 2 ) هذا النصّ من ابن كثير وقد أورد هذا المفسّر نصا آخر أخرجه الإمام أحمد بطريق آخر مقارب لهذا النص . وقد روى الترمذي نصا آخر ليس فيه إشارة تفيد أن السورة جميعها نزلت في هذه المناسبة كما ليس فيه ما ينفي ذلك حيث جاء فيه عن عبد اللَّه بن سلام « قعدنا نفرا من أصحاب رسول اللَّه فتذاكرنا فقلنا لو نعلم أي الأعمال أحبّ إلى اللَّه لعملناه فأنزل * ( سَبَّحَ لِلَّه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ( 2 ) ) * . التاج فصل التفسير ج 4 ص 233 .